h1

الدروز في اسرائيل …عرب في الحقوق … يهود في الواجبات

10/04/2011

الصورة الرمزية صالح النعاميلشدة ما ألم به انفجر باكياً في مركز الشرطة بعد أن اقتيد إليه مكبلاً بالسلاسل. في الطريق من البار وحتى المركز باءت كل محاولته للاستفسار من الشرطي الذي ألقى القبض عليه عن الأسباب التي دفعته للإقدام على ما مثل هذا الإجراء ضده.

الشرطي أبلغ رؤساءه أنه ألقى القبض على هذا الشاب بعد أن سمعه يتحدث في هاتفه النقال باللغة العربية، فظن أنه فدائي فلسطيني يعتزم تفجير نفسه في نزلاء البار، فألقى القبض عليه للتحقيق معه. سرعان ما أطلق سراح هذا الشاب ” العربي “، بعد أن تبين أنه قائد لأحد أكثر ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي نخبوية.

هذا ما حدث في ايلول من العام الماضي، في مدينة ” نهاريا “، شمال اسرائيل، للعقيد عماد فارس، الدرزي، الذي يقود لواء ” جفعاتي “. هذا اللواء الذي أخذ على نفسه قمع الانتفاضة الفلسطينية في قطاع غزة. فعندما تنقل وسائل الاعلام خبر عملية اقتحام، أو قتل ، أو تدمير للمنازل، قام بها جيش الاحتلال في قطاع غزة، فبشكل تلقائي يعرف أن لواء ” جفعاتي “، بقيادة العقيد عماد فارس، هو الذي نفذها.

فهذا الشاب الذي تجاوز بقليل سن السادسة وثلاثين، لم تغفر حقيقة خدمته في صفوف الجيش الإسرائيلي ثمانية عشر عاما ً حتى الآن، فيقاد الى مخفر الشرطة لكونه تلفظ تلفظ بكلمات بالعربية في مكان كل من يتحدث فيه العربية يثير الشبهات.

هذا أحد أعراض أزمة الهوية المتفاقمة التي يعيشها آلاف العرب الفلسطينيين من أبناء الطائفة الدرزية في الدولة العبرية. فمن ناحية يؤدي الدروز كل ” الواجبات “، التي يؤديها اليهود لدولة إسرائيل، وعلى رأسها الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي مع كل ما يقتضيه ذلك من التصادم مع أبناء شبعهم، ومن ناحية ثانية تتعامل الدولة العبرية مع الدروز كما تتعامل مع بقية العرب الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر في كل ما يتعلق ب ” حقوق المواطنة “، مع كل ما يعنيه هذا من اجحاف على كل المستويات.

وقد بدأ أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل يشعرون أن خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، وهلاك المئات منهم في الحروب التي خاضتها إسرائيل لم يقنع دائرة صنع القرار في الدولة العبرية بانصافهم ومساواتهم على الأقل باليهود الذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، من أمثال أتباع التيار الديني الأرثوذكسي.

إزاء هذا الواقع فأن الكثيرين من المثقفين الدروز أخذوا ينادون علناً برفض الخدمة الاجبارية في الجيش الاسرائيلي وحل إشكالية الهوية القومية للدروز في إسرائيل بإعادة الالتحام بالبعد القومي العربي والوطني الفلسطيني، لدرجة أن حسين عباس، هو درزي خدم في الجيش الإسرائيلي ثلاثين عاماً، حتى حصل على رتبة عميد يقول ” أن ممارسة الاجراءات العنصرية ضد الدروز جعلتني أشعر بعد هذه الخدمة الطويلة في الجيش الإسرائيلي أني عربي رغم أنفي، ولذا فأني لن أجعل أياً من أبنائي يخدم في هذا الجيش مهما كان الثمن “.

ونحن سنحاول تسليط الأضواء على الأوضاع التي يحياها الدروز داخل إسرائيل، والتناقضات التي يعيشونها والصور التي تأخذها أزمة الهوية القومية لديهم، والتي وصفها أحد أدبائهم بأنها الأقسى في العالم بأسره.

جذور الأزمة:
في العام 1956 أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غورويون قراراً بصفته وزيراً للدفاع يلزم أبناء الطائفة الدرزية بالخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي، ومنذ ذلك الوقت والشباب الدرزي يخدم في معظم وحدات الجيش الإسرائيلي المقاتلة. فلماذا وافق الدروز على دفع هذه الضريبة الدموية، وكيف استطاعت إسرائيل أن تقنع الدروز بعقد حلف الدم هذا معها؟.

يقول سليمان الناطور، وهو كاتب وأديب درزي من ذوي التوجهات الوطنية والعروبية ” أن هذا يعود لكون الدروز اقلية هامشية، وقد أعتقد قادتها التقليديون أن هذا يتطلب منهم البحث عن جهة أجنبية تمنحهم الحماية من أجل البقاء”. ويضيف الناطور ” أن الخلافات المذهبية بين الفلسطينيين في ذلك الوقت لعبت دوراً كبيراً في خلق هذا الواقع، فالطائفة الدرزية هي طائفية مذهبية صغيرة تعيش في وسط إسلامي كبير لم يكن يرضى عن طقوسها وعاداتها الدينية، الأمر الذي تولد عن احتكاكات شعر الدروز على أثرها، بحاجة الى من يدعمهم في مواجهة الأغلبية الاسلامية”.

ويواصل الناطور ” أن أقطاب الحركة الصهيونية فطنوا الى حقيقة الخلافات المذهبية بين الدروز وباقي العرب الفلسطينيين، فأتصلوا بهم من أجل تعميق هذه الخلافات وتشعيبها وأقاموا معهم علاقات حميمة، وقد برز من بين القادة الصهاينة في هذا المجال” أبا حوشن “،رئيس بلدية حيفا، في ذلك الوقت الذي أقنع الكثيرين من الدروز بالتعاون مع المنظمات الصهيونية العسكرية قبل الإعلان عن الدولة العبرية وخصوصاً ” الهاجناة “.

وبعد إقامة الدولة العبرية، صادرت الحكومة الإسرائيلية معظم الأراضي التي تعود للدروز، فحرموا من مصدر رزقهم الوحيد: الزراعة، وبذلك وجد الدروز في الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدراً للرزق ، حتى أن الكثيرين من القيادات الدرزية قد وقعت في العام 1955على عريضة تطالب الحكومة الإسرائيلية بفرض الخدمة الإجبارية على الدروز، وهذا ما كان في العام الثاني. وكما يقول الصحافي الدرزي هشام نفاع فقد أدت خدمة الدروز في الجيش الاسرائيلي لعشرات السنين الى فقدان معظمهم للشعور بالانتماء للامة العربية والشعب الفلسطيني.

منهج تربوي خاص
عملت الدولة العبرية على قتل انتماء الدروز للعروبة والشعب الفلسطيني. فهم لا يعتبرون أن الدروز عرباً ولا فلسطينيين، وقد تواطأت قيادة الدروز التقليدية مع الدولة العبرية في ذلك. واصبحت القيادات الدرزية تشدد على أن الدروز اسرائيليين وكفى. لكن لم تقتصر جهود الصهاينة من أجل سلخ الدروز نهائيا عن قوميتهم العربية على التأثير فقط على القيادات التقليدية، بل قاموا باعداد خطة منهجية لقتل روح الانتماء بأسس تربوية محددة الأهداف، فألزموا الطلاب الدروز بتلقي مناهج تربوية خاصة، غير تلك التي يتلقاها بقية الطلاب العرب.

وكما يضيف الصحافي هشام نفاع فأن هذه المناهج تهدف الى خلق الشعور لدى الطالب الدرزي أنه ينتمي الى طائفة مستقلة ولا يربطها بالعرب والفلسطينيين أي رابط. فقد درس هؤلاء الطلاب التاريخ الدرزي الذي يركز بشكل خاص على العلاقة التاريخية الخاصة بين الدروز ودولة اسرائيل.

ومع أن العربية لغة الدروز، فقد درسوهم بما يسمى بالأدب الدرزي، حيث كانوا يقدمون الأديب والشاعر شكيب أرسلان على أنه أديب درزي فقط، وبالرغم من أنه أمير البيان العربي في العصر الحديث كما يقول نفاع، وكل هذا من أجل تعميق الشعور باستقلالية الهوية الدرزية. ويواصل نفاع قائلاً ” لقد وصل الاستخفاف بوعي الدروز الى درجة أن أعدوا لهم مناهج خاصة بالعلوم والطبيعة، فتجد: ” كيمياء الدروز”، و” فيزياء للدروز” …الخ.

ويقول نكد نكد، عضو في “لجنة المبادرة العربية الدرزية”، ، وهي أهم المنظمات الدرزية التي تطالب بالغاء الخدمة العسكرية الالزامية على الشبان الدروز إن “وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تقوم عمليًا بتجهيز الدروز ليكونوا جزءًا من الجيش. ومنذ عشرين عامًا تفرض الوزارة خطة تعليمية تطلق عليها “المنهاج التعليمي الدرزي”، مضامينها عبارة عن كمية من المعلومات بدون مضمون مفيد. فعلى سبيل المثال يعلمون الأولاد ما يسمى بـ”التقاليد الدرزية”، معظم الحقائق التي يتم عرضها خلال دروس هذه المادة تعتبر تزييفـًا للتاريخ. كذلك لم تتردد الدولة نفسها في التدخل في قضايا دينية، حيث ألغت أعياد مسلمة احتفل بها الدروز، واخترعت أعياداً جديدة خاصة بالدروز”.

الدروز: مقاولو الأعمال القذرة
تفرض الخدمة الإلزامية على جميع الشبان الدرزي، باستثناء الذين تفرغوا للعبادة. وبعد انقضاء الخدمة الالزامية التي تمتد الى ثلاث سنوات، يواصل معظم الشباب الدرزي لدوافع اقتصادية الخدمة في الجيش.
ويخدم الدروز بشكل خاص في ألوية المشاة المختارة المقاتلة.
وقد وصل عدد كبير منهم نسبياً الى رتب عالية في الجيش، ويعتبر ارفع ضابط درزي في الجيش الإسرائيلي هو الجنرال يوسف مشلف، منسق شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة في وزارة الدفاع الاسرائيلية وقد سبق له أن شغل منصب قائد الجبهة الداخلية.

والى جانب الخدمة في الجيش، ينخرط الدروز في افرع الشرطة الاسرائيلية المختلفة، وخصوصا في شرطة ” حرس الحدود”، حيث أن درزيا يقود هذه الشرطة حاليا، وهو الجنرال حسين فارس.

ولزيادة الشعور بالكراهية والحقد المتبادل بين الدروز وبقية أبناء الشعب الفلسطيني، فقد تم استخدام الكثير من الشباب الدروزي في الخدمة في هذا الفرع من افرع الشرطة الاسرائيلية، حيث أن شرطة ” حرس الحدود “، كانت ومازال لها الباع الطولى في قمع الفلسطينيين، حيث تنص التعليمات الصادرة لأفراد ” حرس الحدود “، على التعامل بشكل مهين وحتى سادي مع الفلسطينيين.

ويرى الشيخ جمال معدي رئيس لجنة المبادرة الدرزية ان هدف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كان واضحا وهو توجيه نقمة الجماهير الفلسطينية الى غير عنوانها الصحيح، حيث تولد الانطباع أن الجندي الدرزي يقوم بالأعمال القذرة عبر أبراز الممارسات غير الأخلاقية لهؤلاء الجنود بأنهم ينفذون تعليمات وسياسة الحكومة الإسرائيلية.

اللافت للنظر أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية تستعين بخدمات الدروز في المحاولات لتجنيد عملاء لها من بين الفلسطينيين، إلى جانب قيامهم بالتجسس على الدولة العربية.

ففي أواسط الثمانينيات من القرن الماضي أصدر الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بياناً أكدوا فيه أن عدداً من الممرضين الدروز الذين يعملون في السجون يربطون استعدادهم لتقديم الخدمات الطبية للمرضى من الأسرى وبين موافقة هؤلاء على التعاون مع المخابرات الإسرائيلية بحيث يتجسسوا على أخوانهم من قادة الأسرى. الى جانب ذلك فأن عدداً من الدروز الذي يعملون على المعابر الحدودية التي تفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن إسرائيل يساومون الفلسطينيين على منحهم التصاريح اللازمة لدخول الدولة العبرية بحيث يتم ربط خدمة منح التصاريح بالموافقة على التعامل مع المخابرات الإسرائيلية.

الممارسات المشينة للجنود الدروز ضد اخوانهم من فلسطينيي الضفة الغربية دفعت حركات المقاومة الفلسطينية الى حد التهديد بتنفيذ عمليات استشهادية في قلب التجمعات السكانية الدرزية.

أما التجسس على الدول العربية وتنظيم شبكات تجسس فيها فيعتبر مثال عزام عزام المعتقل في مصر أحد أمثلتها.

” بيت جن “…… مثال الإجحاف الكبير
لكن التضحية بالإنتماء للعروبة لم يقنع قادة الدولة العبرية باستثناء الدروز من سياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضد بقية الفلسطينيين داخل حدود 48. ويؤكد نزيه خير سكرتير اتحاد الكتاب العرب في إسرائيل وهو درزي أن إسرائيل قامت بمصادرة 70% من الأراضي التي يملكها الدروز، وأقامت عليها كيبتوتسات ومستوطنات زراعية لليهود. ويكاد يجمع قادة ومثقفو الطائفة الدرزية على ذكر ما يحدث الآن لقرية ” بيت جن “، وهي القرية الدرزية التي فقدت أكبر عدد من أبنائها في حروب إسرائيل ضد العرب والفلسطينيين، حيث أن وزارة الاسكان الإسرائيلية، صادرت جميع الأراضي المحيطة بالقرية بحجة أنها تقع ضمن محميات طبيعية ومنعت بذلك أي فرصة لإستغلال هذا الأراضي بالزراعة والإسكان، حيث تعاني الأزواج الشابة في هذه القرية من ضائقة سكن خانقة، وفي مقابل ذلك يقول نفاع وهو من ” بيت جن “، فأن القرى اليهودية تتوسع في كل اتجاه دون أن يعترض على ذلك أحد. ويلفت الشيخ جمال معدي الأنظار الى حقيقة أن هناك بوناً شاسعاً بين معدل الدخل السنوي لليهود والدروز. فمعدل دخل الفرد الشهري في بلدة ” معلوت ” اليهودية يصل الى أثني عشر الف شيكلاً (الفان وثمانمائة دولار )، بينما لا يتجاوز الالفي شيكل لدى جارتها الدرزية ” حورفيش “.

ويقول جهاد سعد، من قادة “لجنة المبادرة العربية الدرزية” “إنني أشرح للدروز أن الادعاء الإسرائيلي بأنهم سيحصلون على حقوق أكثر من غيرهم إذا خدموا في الجيش غير صحيحة. نعرف أن هناك قرى عربية في إسرائيل لا يخدم أبناؤها في الجيش الإسرائيلي وتعيش أوضاعًا اجتماعية واقتصادية أفضل بكثير من القرى الدرزية”.

ويقول نهاد ملحم، عضو حركة ” المعروفيون الأحرار “، وهي حركة تناضل ضد الخدمة الاجبارية للشبان الدروز من قرية كفر ياسيف: “إن المشكلة المركزية هي إقناع الشبان بأنه يمكن التحرر من الاتكال على الجيش، إذ من الصعب إقناع أولئك الذين يعتمدون على الجيش كمصدر رزقهم بذلك، دون توفير بدائل أخرى.

يتوجب احداث التغيير عبر التربية. علينا أن نعلم أولادنا بأن يختاروا الدراسة الأكاديمية بدل الخدمة العسكرية وتشجيعهم على عدم الاتكال اقتصاديًا على الجيش.

 

صالح النعامي

h1

حس الفكاهة في الثورة المصرية

03/04/2011
h1

لارا بلدي: طقوس الأمل – لفناجين القهوة والثورة

03/04/2011

بقلم: هاوبت و بيندر

إن لارا بلدي المولودة في لبنان من أصول لبنانية ومصرية عاشت في بيروت ولندن وباريس والقاهرة حيث تقيم منذ العام 1997. تجمع أعمالها بين التجارب الشخصية العميقة والبحث في الظروف الاجتماعية المحيطة بها.

تركز هذه المقابلة على ثلاثة أعمال تبرز الصلات القائمة بين الخاص والاجتماعي بطريقة ملفتة. وعلى الرغم من التخطيط للمقابلة مع لارا بلدي منذ وقت طويل، إلا أن الاتصال بها عبر البريد الإلكتروني وسكايب تم في أثناء موجة الاحتجاجات في مصر التي أدت إلى الإطاحة بحكومة حسني مبارك بعد 30 عاماً من النظام الديكتاتوري. وعلى ضوء هذه الأحداث، اكتسب السياق الحاضر أصلاً في ممارستها الفنية معنى جديداً وقوياً.

هاوبت وبيندر: عندما التقينا بك المرة الأخيرة في الدوحة في كانون الأول/ديسمبر، كنت تقدّمين تجهيزك قبر الزمان كجزء من أحد المعارض الافتتاحية في المتحف. في قبر الزمان، تطرحين موضوعاً شخصياً شكّل صميم أعمالك لعدة سنوات. هلاّ شرحتِ لنا خلفية هذا العمل؟

لارا بلدي: إن قبر الزمان هو ضريح حجري ضخم – بما يمثله من تتويج لمجموعة مصنفات فوتوغرافية وتوليفات رقمية بعنوان أجندة المستقبل“. في العام 2007، وبعد غياب دام 50 عاماً، عاد والديّ إلى مصر. فقد قرر والدي المصاب بسرطان الرئة الموت في مسقط رأسه. وفي آب/أغسطس 2007، أصبح من الواضح أنه سيرحل في أي وقت. وهكذا، باتت خبرة عائلتي وكل الناس الذين رافقوا والدي وهو على فراش الموت موضع تركيزي.

إن قراءة المستقبل في فناجين القهوة التركية ممارسة تقليدية في أنحاء العالم العربي كافة ومختلف طبقاته الاجتماعية وقد اكتست أهمية بالغة باعتبار أنها وسيلة لتسجيل تفاصيل هذه الفترة. فأخذت أطلب من كل شخص يزور والدي احتساء القهوة والاشتراك عن غير قصد في حفل منظّم بدقة. اتبع الجميع تعليماتي واحتسوا القهوة تماماً كما طلبت منهم وقلب كل منهم فنجانه رأساً على عقب وقلّبه سبع مرات في الصحن ونقر عليه ثلاث مرات. وبدأت التعابير التنبؤية تجسّد الوضع. فتفل القهوة يكسر حدود السرية التي نعيش فيها ناقلاً لغة شعبية وذاتية تسمو على تجربتنا الشخصية. صوّرت داخل هذه الفناجين وقمت بأرشفة كل واحد منها على أساس الاسم والتاريخ. وزخرفت جدران قبر الزمان بها. وإذا كان أجندة المستقبلعبارة عن وقائع حيوات متاوزية لبعضها البعض بما يؤمن استمرارية الحياة في مواجهة الموت، فإن قبر الزمان يمثّل المدفن والمنتهى الذي يجسّد تشييد هذه المرحلة المدوّنة رسماً للعلاقة الحميمة مع الأسرة والأصدقاء والأطباء والممرضات، وهي فترة مفعمة بصعوبة عاطفية جمّة اختبرناها جميعاً بل تشاركناها ضريحاً لذكرى والدي.


هاوبت وبيندر: في هذا العمل، يمكننا أن نرى عناصر إيقونوغرافية ترتبط بثقافات وديانات مختلفة. كيف تقرئين ذلك في سياق الوضع الراهن؟

لارا بلدي: يكمن أحد أبرز عواقب استخدام الشرطة العنف ضد المتظاهرين ومحاولة الأحزاب السياسية المعارضة التلاعب بالثورة لصالحهم في سقوط الحواجز الاجتماعية المتأصلة في المجتمع المصري. أساساً، شهدنا على التركيز على المصري بدلاً من المسلم أو المسيحي، وعلى المواطن بدلاً من المرأة أو الرجل. وكان التضامن بين الناس في ميدان التحرير يزداد يوماً بعد يوم. وأصبحت صورة الشيخ الذي يحمل القرآن والكاهن الذي يحمل الصليب ويسيران معاً، ورسم الصليب والهلال على الجدران وتدوين عبارة كلنا مصريون، أصبحت هذه جميعها صور تمثّل روح الثورة. فإن العنف الذي مورس ضد الشعب تماماً كما تفجير الكنيسة في الاسكندرية في كانون الثاني/يناير، ساهما في جمع المواطنين ضد نظام مبارك القمعي بدلاً من تقسيمهم.

عشت دائماً في بيئة متعددة الثقافات وآمنت دائماً في محو الحدود بدلاً من تفاقم الخلافات. ومن شأن قبر الزمانأن يرجّع صدى الأحداث الحالية بمعنى أن هندسته المعمارية الخادعة للبصر على الجدران والإشارات البصرية الناشئة عن التوليف الرقمي المركزي تستلهم المراجع الإيقونوغرافية من مصادر شعبية ومتعددة الثقافات ومتعددة الأديان، من الرسوم التي كانت تستخدم لتزيين فساتين تماثيل السيدة العذراء في الكنائس الإسبانية إلى الأنماط المعمارية للمقدسات الإسلامية والأيقونات في القرون الوسطى مروراً بمختلف الأشكال الموجودة في الطبيعة وتصوّرات الملائكة الشعبية.

هاوبت وبيندر: في موازاة هذا العمل، ابتكرت أيضاًبرج الأمل الذي عرضته في بينالي القاهرة في العام 2009، وحزت بفضله جائزة النيل الكبرى. وقلتِ مرة أنه مستمد من التجربة الشخصية نفسها التي يقوم عليها قبر الزمان ولكنه يتشاركها على مستوى اجتماعي وحضري جداً“. كيف يظهر تداخل هذين المستويين؟

لارا بلدي: إن برج الأملوقبر الزمانولدا بجزء كبير منهما من رحم تجربة شخصية منعزلة تتمثل بمواكبة احتضار والدي. ولكن هذا الجانب يبقى مخفياً في برج الأمل خلافاً لما هو عليه في قبر الزمان.

تم إنشاء برج الأمل على عدة مراحل وعلى مدى فترة ثلاث سنوات. أولاً، برزت فكرة سمفونية الحمار. وبعد ذلك بعام، سنة 2007، قمنا أنا والمؤلف الموسيقي ناثانيل روبن مان بتسجيل نهيق في إسبانيا، خارج مدريد، في مكان يسمى بورولانديا” (أرض الحمير). وبعد بضعة أشهر، بدأت بتصوير فناجين القهوة حتى وفاة والدي في كانون الثاني/يناير 2008.

في نيسان/أبريل 2008، دعاني منسّق بينالي القاهرة للمشاركة في نسخة كانون الأول/ديسمبر 2008 – كانون الثاني/يناير 2009 بعنوان الآخرون“. وكانت صالة عرض البينالي الرئيسة تتمثل بقصر الفنون، وهو عبارة عن مبنى يقع في ساحة دار الأوبرا - قاعدة عسكرية في وسط القاهرة على الجزيرة. وبدا جلياً لي أنه يجدر بي إنتاج عمل يبحث في من هم هؤلاء الآخرونفي علاقتهم بالحكومة.

بني برج الأمل باستخدام أساليب البناء نفسها المستعملة في العشوائيات المعروفة باسم الزاوية الحمراء. وتتجاهل الدولة هذه العشوائيات مع أنها تضم أكثر من أربعين بالمئة من القاهرة. وكان البرج يرجّع صدى سمفونية الحمار مع صرخة موجعة تصدح من الزاوية الحمراء – هي صرخة متناقضة توحي بالنشوة و/أو اليأس – مفعمة بجمال الحزن الذي وجدته فيما كنت أتأمل والدي يرحل في نوع من القداس، ترنيمة ترفع إلى الجمال النابع من الرعب، ترنيمة تهدى إلى الأمل في خضم البؤس.


هاوبت وبيندر: في إحدى الرسائل الإلكترونية، كتبتِ لنا أن برج الأمل عمل مهم جداً بالنسبة إليكِ ولكن أيضاً بالنسبة إلى الأشخاص المعنيين والمشهد الفني في القاهرة. ما الذي يعنيه هذا العمل بالنسبة إليكِ وكيف لاحظتِ أهميته بالنسبة إلى الآخرين؟

لارا بلدي: كان الجمهور في البينالي متنوعاً تماماً كما كان رد فعله ملفتاً. فإن مختلف الأحداث التي جرت في دار الأوبرا من حفلات موسيقية ومهرجانات ومسرحيات وغيرها - من الوقت الذي بدأت فيه ببناء البرج إلى حين تدميره – دفعت كل الناس إلى اختبار تجربة برج الأمل. وقد أصيب البعض بالذعر بينما كان قيد الإنشاء. واضطررت حتى لإخفاء موقع البناء بحيث لا تراه سوزان مبارك عند افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي! ولكنه رويداً رويداً، أخذ الجميع ولا سيما العمال الذين ساعدوني ويعيشون في هذه العشوائيات يدركون أن ما كان يجري بناؤه ليس إلا تحية إلى هذه المناطق السكنية غير الشرعية وسكانها وبدأوا يلقون نظرة جديدة على حياتهم الخاصة.

بطبيعة الحال، يتسم هذا العمل بأهمية خاصة بالنسبة إليّ وقد ازدادت هذه الأهمية اليوم نظراً إلى الوضع الحالي السائد. الواقع أن برج الأمل ارتقى بعملي إلى مستوى جديد. كان هذا البرج يضمّ كل أعمالي السابقة، وكانت هندسته المعمارية مصممة من ملصقات صور فوتوغرافية التقطها للزاوية الحمراء، وكان الطوب يشبه سجادة منسوجة بعناية فيما تشبه السمفونية صوت حوريات البحر يغوي أوديسيوسوقد ساهم برج الأمل هذا في ترسيخ جذوري في مصر أكثر من أي وقت مضى. رمزياً، رفضت إزالة أسس الإسمنت بعد تدمير البرج عند انتهاء البينالي.

أما بالنسبة إلى المشهد الفني، فيكفيني رد فعل فنان شكرني على عرضي ما يمكن قوله لدى تدمير حدود الرقابة. الآن وقد قضي على هذه الحدود بفضل الثورة، قلب الشعب صفحة جديدة في التاريخ هي صفحة كسر حاجز الخوف، الخوف من التعبير عما يجول في الخاطر والخوف من العقاب. وليس الإبداع الذي شهدناه في الشعارات والإجراءات وحس الفكاهة في ميدان التحرير سوى البداية لإطلاق العنان لطاقة إبداعية هائلة لطالما عانت الاضطهاد.

هاوبت وبيندر: في كتاب الأمل الذي أنتجته لمعرض أفروبوليس الحالي في كولونيا، في ألمانيا، مع صور لتلك المباني الشعوائية المنتشرة في القاهرة وضواحيها، كتبتِ ما يلي: “يبدو لي أن هذه العشوائيات تمثّل وعوداً كاذبةبل الأمل العبثي في غد أفضل“. على ضوء التطورات الراهنة، هل ازداد الأمل؟

لارا بلدي: إن الكتيّب الذي أنتجته لمعرض أفروبوليس بالتعاون مع متحف تانغ في جامعة سكيدمور في الولايات المتحدة هو نتيجة مباشرة لبرج الأمل. فقد استحالت الصور التي التقطتها لدراسة التفاصيل المعمارية وتصميم البرج عملاً أضخم، نشر جزء منه في الكتيّب أمل“.

الأمل موجود دائماً. لطالما كان الأمل موجوداً. والبرهان هو الثورة. فقد ظلّ النظام غافلاً عن احتياجات الشعب حتى قام الشعب، أكان راضياً عن ذلك أم لا، ببناء دول داخل الدولة. وقد طوّر سكان الشعوائيات بشكل خاص ومصر بوجه عام وسائل وهيكليات للبقاء على قيد الحياة تعمل بشكل منفصل تماماً عن النظام. ولكن التضامن والحياة المجتمعية هما أيضاً جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي المصري، وهي ظاهرة شهدناها بشكل واضح في الأسابيع الأخيرة.

بيد أن سكان العشوائيات لم يكونوا في طليعة هذه الثورة مع أنهم شاركوا فيها (يبدو ذلك واضحاً من خلال مراكز الشرطة التي أضرمت النيران فيها في بعض هذه المناطق يوم جمعة الغضب). فإن ثلاثين بالمئة من السكان لا يحملون بطاقة هوية ويمثل سكان العشوائيات جزءاً كبيراً من هذه النسبة المئوية. ولا يمكن دخول ميدان التحرير من دون إبراز بطاقة الهوية المصرية.

من شأن الركود الاقتصادي الذي نعانيه الآن أن يؤثر في المقام الأول في الفئات الفقيرة من المجتمع. إذا نجحنا في تطبيق نظام جديد، يكون نوعاً جديداً من الديمقراطية وليس واحداً مستوحى من الديمقراطيات الغربية الحالية الفاشلة، ستتمكن الشعوائيات من الاستفادة من هذه الثورة. ومع ذلك، كما رأينا، يبقى الأمل، كل الأمل، في الشعب. وتقوم خطةالشعب على تطهير مصر من نظامها الفاسد ومن المرتقب أن يقوم مواطنون متطوعون بتطهير كل منطقة من مناطق المدينة الواحدة تلو الأخرى مثلما تم تنظيف ميدان التحرير وطلاؤه بعد رحيل الرئيس مبارك. فالأمل يلازم كل روح.

h1

الاستيطان يستشري بالخط الأخضر

02/04/2011
*الخارطتان المتجاورتان على اليمين توضحان أن البلدات الفلسطينية (باللون الأخضر) كانت تشكل الأغلبية الساحقة عام 48 لكن الوضع انقلب في 2008 حيث أصبحت البلدات اليهودية (باللون الأصفر) هي الطاغية
*الخارطة على اليسار توضح انتشار المستوطنات في مناطق الـ48
(الجزيرة نقلا عن موقع المركز العربي للتخطيط البديل)

لم يعد الاستيطان محصورا على الأراضي المحتلة عام 1967، فهو يتغلغل أيضا في التجمعات العربية بالمناطق المحتلة عام 1948, وإن كان العالم والرسميون الفلسطينيون لا يعتبرونه استيطانا.

ورغم تشابه الهدف والآلية في نهب الأراضي الفلسطينية فإن الدارج هو إطلاق تسمية “مستوطنات” على البناء والاستيلاء في مناطق الـ67, بينما تطلق إسرائيل تسمية “مدن” أو “قرى” على نفس عمليات الاستيطان داخل الخط الأخضر.

بيد أن فلسطينيي الداخل يصرون على أنها بؤر استيطانية توسعية ترمي إلى خنق تجمعاتهم السكانية, والسيطرة على الزيادة السكانية للعرب.

الأراضي العربية داخل الخط الأخضر تقلصت مساحتها من حوالي 19.5 مليون دونم في 1947، إلى نحو 404 آلاف دونم فقط في 2005. وفي المدة نفسها, ارتفع عدد البلدات اليهودية من 317 بلدة إلى 907 بلدات, وباتت تشكل 96% من مساحة أراضي مناطق الـ48 

نهب الأرض
ويلخص المركز العربي للتخطيط البديل في دراسة له وسائل السيطرة على الأراضي ومصادرة ملكيتها وتهجير أهلها، وضم الأراضي التابعة لنفوذ البلدات العربية إلى سلطات محلية يهودية أو نفوذ الدولة، وإقامة مئات القرى والبلدات اليهودية مقابل منع إقامة قرى عربية.

وتوضح دراسة سابقة للمركز أن مساحات الأراضي العربية تقلصت من حوالي 19.5 مليون دونم في 1947، إلى نحو 404 آلاف دونم فقط في 2005.

وأشارت إلى ارتفاع عدد البلدات اليهودية من 317 بلدة عام 1947 إلى 907 بلدات عام 2005، لتشكل مساحتها في النهاية 96% من مساحة أراضي مناطق الـ48.

وأشار المركز إلى أن مناطق التطوير والبناء المعدة للوسط العربي وللبلدات العربية داخل الخط الأخضر حتى العام 2020 ستقل عن 1% من الأراضي التي تبعت تاريخيا للبلدات الفلسطينية قبل نكبة 1948، موضحا أن الكثافة السكانية فيها تزيد بخمسة أضعاف عن المعدل العام داخل الـ48.

مناطق الاستيطان
ويتركز الاستيطان في الداخل على المناطق ذات الثقل السكاني العربي حيث تنتشر مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، إضافة إلى المدن الكبرى المقامة على أنقاض مدن وقرى عربية مثل القدس وتل أبيب, وأشدود, وإيلات.

الحركة الاستيطانية النشطة في المناطق المحتلة عام 1948 تستهدف التجمعات العربية في الجليل والمثلث والنقب, حيث تتوسع المستوطنات هناك على حساب البلدات العربية

ويستهدف الاستيطان بشكل أساسي مناطق الشمال والجنوب حيث يتركز غالبية السكان العرب في الجليل والمثلث والنقب.

وتعد مستوطنة “حريش” التي أنشئت أوائل تسعينيات القرن الماضي، وبدأ التخطيط لتوسيعها عام 2007 أكبر مستوطنة تخترق التجمعات السكانية العربية في الشمال، ويتوقع أن تستوعب 150 ألفا من المتدينين اليهود.

وفي الجليل, تتوسع مستوطنات “نتسيرت عيليت” و”معالوت ترشيحا” و”كرميئيل” على حساب الأراضي العربية.

ففي أواسط 2010, أُعلن عن مخطط تفصيلي يسمى “كفار هافراديم- المرحلة ج” ليلتهم مساحات متاخمة وملاصقة لبلدة ترشيحا الفلسطينية بهدف بناء منطقة صناعية، وكما أعلن عن مخطط لإقامة مستوطنة جديدة لليهود المتزمتين (الحريديم) شمال شرقي قرية عين ماهل، تتسع لنحو عشرة آلاف وحدة سكنية، وتستوعب نحو خمسين ألفا.

وفي النقب التي يسكنها نحو 180 ألف فلسطيني، لم يتبق للسكان سوى نحو مليون دونم من الأراضي من أصل 11 مليون دونم كانوا يملكونها عام 1948، حيث ينصب الجهد الإسرائيلي في تجميع الفلسطينيين في تجمعات.

هدم وبناء
وتشير تقديرات إلى وجود نحو خمسين ألف قرار هدم بحق منازل عربية ونحو 45 قرية في النقب، فيما أقرت لجنة وزارية تسمى “لجنة تطوير النقب والجليل” أواسط 2010 مخططا استغرق سنوات لتوطين ثلاثمائة ألف يهودي في هذه المناطق.

وكانت وزارة الإسكان الإسرائيلية أعدت مخططا لإقامة 11 مستوطنة يهودية في المنطقة الممتدة بين مدينة بئر السبع ومدينة عراد في النقب، بهدف خلق تواصل بين المستوطنات اليهودية.

وهناك خطة إسرائيلية أخرى لبناء مدن أو مستوطنات بهدف قطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية داخل الخط الأخضر والأخرى التي في الضفة الغربية.

وبينما يعيش غالبية العرب واليهود في تجمعات خاصة بهم، هناك عدد من المدن المختلطة، لكن الأكثرية فيها لليهود، ويعاني العرب فيها صنوفا من التمييز.

ومن هذه المدن عكا، ويشكل العرب 28% من سكانها البالغ 51 ألف نسمة، ومدينة حيفا ونسبة العرب فيها 5.8% من عدد السكان المقدر بنحو 268 ألف نسمة، إضافة إلى مدن يافا واللد

والرملة.

h1

متوالية متعارف عليها في بعض الأحيان

27/03/2011

h1

بشارة يستقرئ الثورات العربية

26/03/2011

يرى المفكر العربي عزمي بشارة في  حوار مع الجزيرة نت أن الثورات العربية في مصر وتونس تماثل سابقاتها التاريخية من حيث العمق والشمولية، مؤكدا أن كفاح الشباب قد أطلق المارد الشعبي، فعبرت الشعوب عن إرادتها بكل وضوح. ويلفت إلى أن ثورات فكرية وثقافية ستعقب التغييرات التي جرت في العالم العربي.

ويشدد بشارة على ضرورة أن تحمي هذه الثورات نفسها عبر تخطيط وإستراتيجيات، حيث إنه لا يمكن أن تحكم البلاد عفويا، وحذر من أنه إذا لم يتوفر جسم منظم لديه فكر وإستراتيجية للقيام بتغيير تدريجي ومثابر، فسوف تستمر بالحكم عناصر النظام السابق المنبثة في كل قطاع من قطاعات الدولة والمجتمع.

وقال المفكر العربي إن ثوار اليمن في ساحات التغيير يقومون عبر ثورتهم السلمية حاليا بعملية تشكيل هوية وطنية يمنية عابرة للطوائف، وأوضح أن ما فشلت فيه الدولة من تشكيل هوية سياسية متماسكة، تفعله الثورة الآن.

وفي حالة المشرق العربي، يرى بشارة أن مشكلة التغيير أصعب، فالهوية الوطنية ليست راسخة الحدود، وهناك هويات طائفية وعشائرية مختلفة جرى تسييسها في فترات مختلفة وبدرجات مختلفة في ظل أنظمة استبدادية.

ويؤكد أنه في المشرق العربي تقع على كاهل المعارضة مهمة تجاوز الهويات الفرعية كي تتمكن من طرح نظام بديل ديمقراطي مدني. حيث لا بد أن يبدو ذلك الجهد واضحا على بنيتها التنظيمية وعضويتها وقيادتها، لأن أي معارضة ذات طابع مذهبي أو طائفي أو عشائري سوف تفشل في مواجهة النظام، لأن الأخير لن يستند فقط إلى أجهزته وأصحاب المصالح، بل إلى فئات سكانية واسعة ترى نفسها متضررة إذا جاءت مثل هذه المعارضة إلى الحكم.

رافق بشارة هدير الجماهير، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي ثوري وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية

أنظمة وشرعيات
وفي حالة الخليج العربي، يرى بشارة أن الأنظمة الملكية، خصوصا التي تملك شرعيات وامتدادات هي أكثر قدرة على الاستمرارية وإجراء الإصلاحات في ظله. ولكن مع ذلك لا يوجد قانون يحميها من التغيير، فهذه الملكيات إذا لم تتجاوب مع متطلبات شعبها فمن المؤكد أنه سوف تطور معارضة خاصة بها.

إن الحوار مع بشارة في هذه الظروف يكتسب أهمية استثنائية، حيث يقف هذا المفكر البارز في صف الثورات العربية منطلقا من أن المثقف العضوي مرتبط بطموحات الجماهير خصوصا جيل الشباب الذي فجر الربيع العربي.

وقد رافق بشارة هدير الجماهير، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي ثوري وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع فيه أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية.

وليس غريبا والحالة هذه أن من تابع الثورات العربية يستطيع أن يلمس أن كتبه الأخيرة مثل “أن تكون عربيا في أيامنا” و”المسألة العربية”، إضافة إلى مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات التي روجت لفكرة “دول المواطنين”، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها المنتفضون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها.

وإذا اختار المثقف ألا يقف على الحياد في هذه اللحظة التاريخية ولو كلفه الأمر ثمنا، فلا بد أن تتوالى الأسئلة، كيف يستقيم مثلا أن يحمل هذا المفكر لواء العروبة ثم ينحاز للثورة على القذافي “أمين القومية العربية”؟ وكيف يدعو بشارة إلى دولة مدنية ديمقراطية لجميع المواطنين وهو يدرك قبل غيره أن دولا عربية عدة تتكون من فسيفساء إثنية وطائفية ستنفجر إذا أرخت الدولة العربية قبضتها أمام “خطاب الأماني”، فتتهم الأنظمة الفكر الديمقراطي بالتخريب، تخريب التوازنات التي لا يحرسها إلا الاستبداد.

h1

Boccherini-Quintetto n. 4 G 448 – Fandango III-parte II

23/03/2011

« Mi ricordo d’aver sentito un Quintetto [di Boccherini] quattro o cinque anni fa, al Conservatorio di Bruxelles; e mi parve magnifico, e poi nuovissimo, pieno d’episodii inaspettati. Mi ricordo bene che in alcune parti il Quintetto, per l’uso dell’unisono, si riduceva a un Duo; ma gli effetti ottenuti con la differenza dei timbri erano d’una finezza straordinaria. Non ho ritrovato nulla di simile nelle altre composizioni strumentali »

(Gabriele d’Annunzio, il Piacere, cap. II

 

h1

الفن الفلسطيني: من 1850 إلى حاضرنا

21/03/2011

لم يحظَ الفن المرئي في الشرق الأوسط بعد بالتقدير الذي يستحقه. حتى اليوم، إن سألت أي مار في شوارع القاهرة، أو بيروت، أو رام الله عن الفنون التي تشملها الفنون الجميلة، فقد يذكر لك الشعر أو الموسيقى بدلاً من الرسم أو التصوير. ومع أنه يحتفى بالتجهيزات والتسجيلات الفيديوية في مساحات فنية سرية، إلا أنها لم تتسلل بعد إلى المخيّلة الشعبية. ومنذ بضعة أعوام، كتبت عديلة العيدي هنية، الناقدة وكاتبة المقالات المتخصصة بالتاريخ المعاصر للثقافة العربية ومديرة مركز خليل سكاكيني الثقافي في رام الله لنحو عشرة أعوام، بحثاً مميّزاً للمؤسسة الأوروبية الثقافية قيّمت فيه مواضع نجاح وفشل المبادرات الفنية المعاصرة في المنطقة. وقد لاحظت أنه يجدر بذل كم هائل من الجهود لزيادة الاطلاع على “الفنون المرئية التي لا تتمتّع بالسطوة التي يحتفظ الأدب بها في الثقافة العربية الراقية أو المساحة التي تحتلها الموسيقى في الثقافة العربية الشعبية”.

وإذا كان الفن المرئي متورّطاً في معركة صاعدة، فإن تاريخه يواجه قمماً أكثر شموخاً. وقد شهدت الأعوام العشرة الماضية تغييرات هائلة طرأت على المشاهد الثقافية في عدة مدن عربية. فإذا بهيكليات مستقلة لإنتاج الأعمال الجديدة وعرضها تظهر في القاهرة، والاكسندرية، وبيروت، وعمان، ورام الله. وافتتحت أو من المرتقب أن تفتتح مساحات للفن التجريبي في الجزائر، والرباط، وطنجة، ودمشق، والقدس، والمنامة. وأصبحت الأحداث المنظّمة مثل معرض الصور الفوتوغرافية في القاهرة، ومنتدى الأشغال الداخلية في بيروت، وبينالي الشارقة، منصات مهمة لتطوير ممارسات الفن المعاصر بنظرة نقدية. وفي الوقت نفسه، ازداد الاهتمام الغربي بفن الشرق الأوسط إلى حد بعيد ومن المتوقّع أن يتم إطلاق عدة مؤسسات ثقافية بارزة في دبي، وأبو ظبي، والدوحة.

في خضم كل هذه التغييرات، لا غرابة في أن يتحوّل تاريخ الفن العربي المعاصر إلى مجال بحث طارئ. وتعدّ متابعة وليد رعد للمشروع المعروف بمجموعة أطلس استكشافاً لتاريخ الفن العربي العصري والمعاصر قائماً على عدة مراحل مكرّسة لمختلف المواقع والسياقات شأن بيروت وأبو ظبي. وتهتم غاليري مقام في بيروت التي افتتخت في بداية العام 2009 باستعراض تاريخ الفن اللبناني على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وأكبّت ندى الشبوط، كاتبة الفن العربي المعاصر: تطور الفن العربي، مؤخراً على دراسة التراث المعاصر للعراق لإبطال الروايات (الخادعة والسطحية في معظم الأحيان) الصادرة عن المراسلين الأجانب الذين يؤكدون دور التجريد في الفن العراقي فيما يغطون الغزو الأمريكي للبلاد.

لكن رهانات التاريخ الفني لا تبلغ أي مستوى أعلى من مستوى تلك الملحوظة في مجال الفن الفلسطيني لأن تدوين أي تاريخ ارتباطاً بالنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يبقى محكوماً باتخاذ طابع سياسي غالباً ما تؤدي رواية أحد مؤرّخيه إلى محو رواية الآخر.

ولا بدّ لكل من يهتم بالفن المرئي في العالم العربي من قراءة كتاب كمال بلاطة المذهل الجديد الفن الفلسطيني: من 1850 إلى حاضرنا بما تختزنه صفحاته الثلاث مئة من أعمال فنية نادرة تمتد على فترة قرن ونصف. وينطوي هذا الكتاب على مجموعة من المقالات التي وضعها بلاطة على مدى الأعوام العشرين الماضية ونشرها في دوريات أكاديمية وكتيّبات معارض باللغات العربية، والإنكليزية، والفرنسية. وقد تم تحديث عدد كبير من النصوص ومراجعتها قبل تنظيمها في هذا الكتاب بطريقة تبرز بشكل جمالي ومؤلم في آن معاً تشتت مواد موضوعه.

الواقع أن الفنانين الفلسطينيين، أكانوا يعيشون في مدن عالمية أو مخيّمات للاجئين، في إسرائيل أو الأراضي المحتلة، في العالم العربي أو الغرب، مشتتون، يستحيل عليهم القيام بحركات فنية متناسقة. وأصغر هؤلاء الفنانين لا يملك سوى فرص يسيرة ليتعهّد بأعمال الذين سبقوه نظراً إلى إقفال، أو استملاك، أو نهب، أو تدمير، كم هائل من المتاحف، والمكتبات، والمراكز الثقافية، والمعارض. وبالتلاعب بالبعد والقرب، والتشديد على إمكانية قراءة الكتاب بشكل متتابع أو على مراحل، يلجأ بلاطة إلى بنية الكتاب بحد ذاتها ليدعم نظريته التي تستعرض تطور اللغة المرئية في التعبير الفني الفلسطيني على مدى الأعوام المئة والخمسين الماضية.

إن كتاب بلاطة المؤلّف من أربعة أقسام تلي مقدمة مؤثرة وضعها جون برجر يتوقف عند ثلاثة مفاصل رئيسة من تاريخ الفن الفلسطيني. يتمثل أولها وأكثرها أهمية بالانتقال من رسم الأيقونات إلى الرسم الدنيوي الذي استحوذ على الجزء الأول من الفن الفلسطيني. ومع وصول الرسّامين، بمساندهم ومعدّاتهم الفنية العالية الجودة، والمصوّرين التوّاقين إلى التقاط صور للأرض المقدّسة على صفائح زجاجية وبيعها إلى السيّاح والمقيمين على حد سواء، أخذ فنانون مثل نقولا الصايغ، وخليل حلبي، ومبارك سعد، و داوود زلاطيمو، الذين تتلمذوا على رسّامي أيقونات أرثودوكس روس (في غضون ذلك، تلقى سعد تعاليمه في الكنيسة الكاثوليكية) يطرحون تجاربهم مع المناظر الطبيعية، ورسوم الطبيعة الصامتة، وصور الأشخاص، والرسوم الزيتية للروايات التاريخية التي تناقلتها الأجيال (ونمّقتها) عبر فن الرواية.

صادفت هذه المرحلة مع سقوط الامبراطورية العثمانية ونهضة الانتداب البريطاني في فلسطين، وبلغت أوجها في العام 1933 مع معرض من تنظيم زلفى السعدي التي اختيرت لتمثل فلسطين في المعرض العربي القومي الأول في القدس حيث عرضت سلسلة من المناظر الطبيعية، ولوحات لأشخاص وطبيعة جامدة اعتمدت في معظمها على صور كانت مشهورة في ذلك الوقت. فحقق هذا المعرض نجاحاً باهراً وسجّل وفقاً لبلاطة “موافقة غير مسبوقة على شكل من أشكال الفن لم يكن معروفاً كوسيلة للتعبير آنذاك… وكان مسموحاً به من دون أن يحظى بالتقدير الكافي ليمثّل الثقافة الوطنية”.

أما المفصل الثاني في كتاب بلاطة فيكمن في الانفصال بين الرسم الرمزي والرسم التجريدي في الفن الفلسطيني. وقد جرى هذا الانفصال في بيروت في حقبة تتراوح بين العام 1952 عندما أطاحت الثورة في مصر بعرش القاهرة الثقافي والعام 1982 عندما وضع الاجتياح الاسرائيلي حداً للتبادل الحر للأفكار الذي حوّل العاصمة اللبنانية وفقاً لبلاطة إلى “مدينة العصرية العربية” لثلاثة عقود متتالية. وبعد انهيار الحكومات البرلمانية في مصر وسوريا والعراق وبدء حرب 1967، توجّه حشد آخر من اللاجئين الفلسطينيين شمالاً. واستضافت الدولة اللبنانية المعارضين والمثقفين والمجددين كافة: “على مدى ثلاثة عقود حافلة بالأحداث تغلي المنطقة فيها بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، أدت بيروت دور مانعة الصواعق لكل الحركات السياسية المندلعة في العالم العربي منذ سقوط فلسطين”.

وفي تلك الحقبة، ظهر تياران مستقلان من الفن الفلسطيني. يضم التيار الأول الرسامين الذين نشأوا في المخيّمات وتبنّوا نمط الرسم الرمزي بما يعكسه من أبرز لحظات النضال القومي الفلسطيني ويجسّده من انتصار ومأساة في آن معاً. ويشمل التيار الثاني الرسامين الذين عاشوا وعملوا في دوائر المدينة الكبرى واعتمدوا نمط الرسم التجريدي بما يكتنزه من تجارب وأفكار باطنية وشخصية.

ويتمثل المفصل الثالث بالتحوّل من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الجديد ضمن مجموعة من المعارض نظّمت في رام الله في العامين 2001 و2002. وقد ضم المعرض “مائة شهيد – مائة حياة” من تنظيم مركز سكاكيني بإدارة عديلة العيدي هنية مائة غرض – قطعة غير منتهية من التطريز، وسلسلة مفتاح، وحاملة شمع – تعود إلى مائة ضحية مدنية للغزو الإسرائيلي. وشمل معرض “شاهد عيان” الذي أقيم في الطابق السفلي من مبنى بلدية رام الله أغراضاً من منازل ومكاتب ومستشفيات تعرضت للتدمير من جراء العمليات العسكرية. وكتب بلاطة في هذا الصدد: “كسراً للحصار وتمسّكاً بالحرية، اضطر الفنانون الفلسطينيون لإطلاق العنان لمخيّلتهم والعمل يداً بيد ليقتحموا واقعاً أخذ ينكشف أمام أعينهم. وبين ليلة وضحاها، كان الفنانون المرئيون مستعدين للتخلي عن أدوات التعبير الاعتيادية ليجدوا أي وسائل متوفرة ليؤكدوا تضامنهم مع شعبهم الذي يعاني الموت واليأس… وحاجتهم إلى ما قد يعدّ فناً تجسّد تعبيراً عن البقاء على قيد الحياة”.

إن كتاب بلاطة بالغ الأهمية واستثنائي في نواحٍ عدة. فالكاتب رسام معتبر عاش وأدى دوراً بارزاً في عدة مراحل تاريخية يصفها (كان الرسام الوحيد من جيله الذي تتلمذ على خليل حلبي، أحد رسامي الأيقونات الدينية الذين انتقلوا إلى الرسم الدنيوي، وكان من بين الرسامين الأربعة المنتمين إلى مجلس تحرير مجلة الموقف التي ساهمت في بلورة مدرسة الرسم التجريدي المتفرعة عن مدرسة بيروت للرسم الرمزي). وكما أشارت عديلة العيدي هنية إليه: “في السياق الفلسطيني… يكون الفلسطيني الذي شهد على هذه المراحل التاريخية المهمة وشارك فيها أو بحث بدقة عن ماضيه قادراً فقط على توثيق هذا التاريخ وتحليله”.

والجدير بالذكر أن بعض المفاهيم التي بني كتاب بلاطة عليها – أولوية الهوية الوطنية، واعتبار التعبير الفني ثقافة وطنية وسلطة التاريخ المدوّن سجلاً زمنياً خطياً – هي تلك التي يطالب عدد كبير من الفنانين المعاصرين في فلسطين بها ويفصّلونها في أعمالهم. ومن المثير للاهتمام أن نطّلع على آرائهم فيها. وإذا ما نجح كتاب بلاطة في دفع فنانين آخرين وباحثين وجامعيين إلى كتابة تاريخهم البديل، يكون الفن الفلسطيني قد أسداهم جميعاً خدمة كبيرة.

h1

Art News – Secrets – Il bar delle Folies Bergère

21/03/2011
h1

تراجع الدول العربية في البحث العلمي

26/01/2011

مقدم الحلقة: أحمد منصور
ضيف الحلقة: رشدي راشد/ مدير الأبحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي
تاريخ الحلقة: 28/7/2010

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.